محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
88
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ويكون معه فقه أحب إلي من حفظ الحديث لا يكون معه فقه ، وقال الأثرم : سأل رجل أبا عبد الله عن حديث فقال أبو عبد الله : الله المستعان تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب ، ما أقل الفقه فيهم ، وقال الحسن ابن محمد : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن أحاديث غرائب فقال : شيء غريب أي شيء يرجى به ؟ قال : يطلب الرجل ما يزيد في أمر دينه ما ينفعه ، وقال في رواية أبي داود : يطلبون حديثا من ثلاثين وجها أحاديث ضعيفة قال : شيء لا ينتفعون به . ونحو هذا الكلام ، وقال أيضا : شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها . وقال إبراهيم النخعي كانوا : يكرهون غريب الحديث ذكره الخلال ، وروى أحمد عن الربيع بن خيثم قال : إن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل تنكره ، وإن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار تعرفه ، وقال علي بن الحسين زين العابدين : العلم ما تواطأت عليه الألسن . وقال مالك : شر العلم الغريب ، وخير العلم الظاهر الذي قد رآه الناس ، وقال أبو يوسف القاضي : من طلب الدين بالكلام تزندق ، ومن طلب غريب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ، وعن مالك مثله وقال ابن المبارك : لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه ، وقال ابن مهدي : لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة الحديث الضعيف فأقل ما في ذلك أن يفوته من الصحيح بقدره . وقال ابن الجوزي : قال أحمد بن حنبل : الاشتغال بالأخبار القديمة يقطع عن العلم الذي فرض علينا طلبه . وقال مالك : ما أكثر أحد من الحديث فأنجح ، قال ابن الجوزي وإنما الإشارة إلى ما ذكرت من التشاغل بكثرة الطرق والغرائب فيفوت الفقه . وذكر كلاما كثيرا - إلى أن قال - وقد أوغل خلق من المتأخرين في كتابة طرق المنقولات ، فشغلهم عن معرفة الواجبات ، حتى إن أحدهم يسئل عن أركان الصلاة فلا يدري ، لا بل قد أثر هذا في القدماء ، ثم روى بإسناده أن امرأة وقفت على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى وكانت غاسلة - فلم يجبها منهم أحد ، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ، فأقبل أبو ثور فقالوا لها : عليك بالمقبل ، فسألته فقال : نعم تغسل الميت لحديث عائشة رضي الله عنها " 1 " " أما إن حيضتك ليست في يدك " ولقولها : كنت أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء وأنا حائض " 2 " ، قال أبو ثور : فإذا فرقت رأس الحي فالميت به أولى ، قالوا : نعم رواه فلان وحدثنا به فلان ونعرفه من طريق كذا وخاضوا في الطرق والروايات فقالت المرأة فأين كنتم إلى الآن ؟ . قال : وقد كان بعض أكابرهم يستحي من رد الفتيا فيفتي بما لا يحسن ذكره حتى إن امرأة
--> ( 1 ) الحديث من أفراد مسلم ( 298 ) . ( 2 ) البخاري ( 301 ) ومسلم ( 297 ) .